صديق الحسيني القنوجي البخاري
198
أبجد العلوم
بعضها مع بعض بحسب اختلاف الفنون التي في القصيدة . ولصعوبة منحاه وغرابة فنه كان محكا للقرائح في استجادة أساليبه ، وشحذ الأفكار في تنزيل الكلام في قوالبه . ولا يكفي فيه ملكة الكلام العربي على الإطلاق ، بل يحتاج بخصوصه إلى تلطف ومحاولة في رعاية الأساليب التي اختصته العرب بها واستعمالها . ولنذكر هنا سلوك الأسلوب عند أهل هذه الصناعة وما يريدون بها في إطلاقهم . فاعلم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب ، أو القالب الذي يفرغ فيه . ولا يرجع إلى الكلام باعتبار إفادته أصل المعنى الذي هو وظيفة الإعراب ، ولا باعتبار إفادته كمال المعنى من خواص التراكيب الذي هو وظيفة البلاغة والبيان ، ولا باعتبار الوزن كما استعمله العرب فيه الذي هو وظيفة العروض . فهذه العلوم الثلاثة خارجة عن هذه الصناعة الشعرية ، وإنما يرجع إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص . وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وأشخاصها ، ويصيرها في الخيال كالقالب أو المنوال ، ثم ينتقي التراكيب الصحيحة عند العرب باعتبار الإعراب والبيان فيرصها فيه رصا كما يفعله البنّاء في القالب أو النساج في المنوال ، حتى يتسع القالب بحصول التراكيب الوافية بمقصود الكلام ؛ ويقع على الصورة الصحيحة باعتبار ملكة اللسان العربي فيه . فإن لكل فن من الكلام أساليب تختص به ، وتوجد فيه على أنحاء مختلفة . فسؤال الطلول في الشعر يكون بخطاب الطلول كقوله : يا دار ميّة بالعلياء فالسّند « 1 » * . . . . . . . . . . . . ويكون باستدعاء الصّحب للوقوف والسؤال كقوله : قفا نسأل الدار التي خفّ أهلها « 2 » * . . . . . . . . أو باستبكاء الصّحب على الطّلل كقوله : قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل * . . . . . . . . .
--> ( 1 ) الشطر الثاني منه : « أقوت وطال عليها سالف الأمد » ، وهو للنابغة الذبياني . انظر ديوان النابغة الذبياني ( ص 14 ) . ( 2 ) الشطر الثاني منه : « متى عهدها بالصوم واللوات » ، وهو لدعبل الخزاعي . انظر ديوان دعبل الخزاعي ( ص 132 ) .